ابن الجوزي

38

بستان الواعظين ورياض السامعين

[ 54 ] ملائكة السماء الثانية ثم تنزل ملائكة السماء الثانية وهم أكثر عددا وأعظم خلقا ممن اجتمع في الأرض سبعين ضعفا ، فتجزع منهم ملائكة سماء الدنيا وجميع من في الأرض فيقولون لهم : لا تجزعوا نحن مشغولون بأنفسنا ونخاف مما تخافون منه . فلا تزال ملائكة كل سماء تنزل ويجزع منهم جميع من سبقهم ، ويكون أهل كل سماء أكثر وأعظم ممن سبقهم سبعين ضعفا . وكأنّ أهل كل سماء في صف واحد على حدة كل واحد منهم قد شغل بنفسه من عظيم ما يرى وما يبدو له . وأنشدوا : يا غافلين أفيقوا قبل بعثكم * وقبل يؤخذ بالأقدام واللمم والناس أجمع طرّا شاخصون غدا * لا ينطقون بلابكم ولا صمم والخلق قد شغلوا والحشر جامعهم * واللّه طالبهم بالحلّ والحرم وقد تبدّى لأهل الجمع كلّهم * وعد الآله من التعذيب والنقم وكلّ نفس لدي الجبار شاخصة * لا ينطقون بلا روح من الزحم [ 55 ] الجبابرة في الحشر كالذر روي أن الجبابرة يحشرون يوم القيامة على صورة الذر أصغر الناس خلقة لتجبرهم على العباد في الدنيا قد صارت العزة للغني الحميد ، ولزمت الذلة كل جبار عنيد ، وشيطان مريد قد ترادفت عليهم الهموم والأهوال ، وظهرت لهم العقوبات والأنكال ، وندم كلّ مذنب بطّال ، فحينئذ لا حيلة لمحتال ( في يوم لا بيع فيه ولا خلال ) شعر : مقام المذنبين غدا عسير * إذا ما النار قربها القدير وقد نصب الصراط لكي تجوزوا * فلا ينجو الكبير ولا الصغير وقد نسفت جبال الأرض نسفا * ويبّست البحور فلا بحور وبرزت الجحيم لكل عبد * على أهل المعاد لها زفير عباد اللّه تفكروا واعتبروا ، وابكوا وتباكوا . واستعدوا لليوم الثقيل ، والهول الكبير ، والخطب الجليل ، والعذاب الشديد الطويل . [ 56 ] حديث في أهوال يوم القيامة ذكر في بعض الأخبار عن النبي المصطفى المختار صلى اللّه عليه وسلم وعلى آله الأخيار